كيف يمارس القهر على المرأة في المجتمعات المتخلفة ؟

الزيارات: 534
التعليقات: 0
http://alamalnews.org/?p=691
فاطمة السلمي

فاطمة السلمي

في كتابه ( التخلف الإجتماعي …مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور) يسلط الدكتور مصطفى الحجازي على وضعية المرأة حيث يشير إلى أن المرأة هي أفصح الأمثلة على وضعية القهر بكل أوجهها ودينامياتها ودفاعاتها في المجتمع المتخلف.

 

في البدء يتحدث عن ملامح وضعية القهر مؤكدا بأنه (كلما كان الرجل أكثر غبناَ في مكانته الإجتماعية مارس قهرا أكبر على المرأة ) ويقسم دكتور حجازي وضعية القهر التي تتعرض لها المرأة إلى ثلاث مستويات 1- المرأة في الوسط الكادح وما تحت الكادح 2- وضعية المرأة في الطبقة المتوسطة 3- وضعية المرأة في الطبقة ذات الإمتياز.

 

الوسط القادح :

 

في الوسط الكادح يتم تقسيم الأدوار بين الرجل والمرأة فالرجل هو مصدر القوة والشجاعة والتصدي للمخاطر وكاسب الرزق،في حين يتم إسقاط الضعف والهوان على المرأة ،وعندما يحدث خلل وتقوم المرأة بفعل نشاطات يشعر الرجل أنها تعدي على رجولته وهيبته “فيعوض الرجل كل قهره ومهانته خلال لعب دور السيد الذي يخضع المرأة ،يستعبدها ويستغلها ويحولها لأداه له تخدمه،تنجب له الذرية التي تعزز من قوته الذكورية فتتحول إلى وعاء لمتعته بشكل أناني لا يراعي حاجتها ورغباتها ،تموت نفسيا كي يستمد هو من هذا الموت وهم الحياة ،تسحق كي يستمد هو من هذا الانسحاق وهم تحقيق الذات ”

 

كما أن هناك تشابه كبير بين ما يفعله الإقطاعي بالفلاح المغلوب على أمره والتنكيل به وكسر ظهره بالكثير من المهام يقوم الرجل في المجتمع الكادح بفعل ذلك بالمرأة “إن عبودية المرأة التي تباع وتشترى بعقد زواج لقاء مبالغ يقبضها الأهل،تقابلها عبودية الفلاح الذي يباع مع الإقطاعية من إقطاعي إلى أخر…وإن إستغلال جهد المرأة وتبخيس مردودة،عدم تثمينه كما يستحق اقتصاديا  ، خصوصا العمل المنزلي الذي يتعبر جهدا دون مقابل يقابله إستغلال جهد الكادح وتبخيسه وعدم إعطائه الأجر الذي يستحقه”.

 

الطبقة المتوسطة

أما في الطبقة المتوسطة فإن المرأة تجاهد لأن تصبح أفضل حالا وذلك لوعي الرجال بأهمية مشاركة المرأة في كافة الأصعدة وتنمية مهاراتها وزيادة وعيها فأن” رقي الرجل رهن بـارتقاء المرأة،تلك حقيقة تفرض نفسها على الواقع ولا مجال للمكابرة فيها”

إلا أن هنالك مشكلة تعاني منها المرأة في الطبقة المتوسطة وهي :” أن المرأة  أسيرة عملية  تشريط مزمن تدفعها لتلعب دور الراضخ المقهور،أو دور الأداة وهي تطمئن لهذا الدور وقد أعدت له نفسيا،ولكن لم يعد يرضيها على المستوى الوعي بكيانها والوعي بحقوقها , والرجل يتحدث عن المساواة وعن تحرير المرأة ولكنه لا يستطيع التخلي عن إمتيازاته بسهوله”.

وبشأن موقف الرجل من تحرر المرأة فأنه موقف مزدوج ” فهو متحرر فكريا وثقافيا وهو من أنصار المساواة ولكنه ينتظر أن تقوم المرأة بذلك والغالب أن يكون حماسة نظريا أما في الممارسة اليومية التلقائية فما زال أسير التقسيم العبودي للأدوار “.

 

الطبقة ذات الإمتياز

وبالانتقال إلى الفئة ذات الإمتياز فأن “المرأة تتعرض في هذه الفئة إلى أخطر أنوع العبودية وهي الإستلاب العقائدي،حيث تزين لها وضعيتها كأداة وتربط قيمتها بمقدار كلفة الجهاز والأثاث ومدى ترف وفخامة الزفاف”

تتحول المرأة في تلك الطبقة إلى مجرد ديكور أو مادة للإستعراض فتصبح خاوية من الداخل لا روح فيها”إن إفراغ المرأة من مسؤوليتها إفراغ لشخصيتها من لب الإنسان وجوهرة وتميزه عن ساير المخلوقات،بهذا الإفراغ لم يعد للمرأة إلا قشرتها الخارجية الظاهرة أمام الأعين،لم يعد للمرأة إلا غلافها الجسدي الخارجي:ويؤكد لها المجتمع من حولها هذه الحقيقة فالصحف والمجلات حين تخاطب المرأة تخاطبها كطبقة من الجلد تحتاج إلى تدليك بأنواع خاصة من الكريم وكرموش تحتاج إلى تقوية وتغذية وكشفاة تحتاج إلى طلاء بلون الورد وكشعر يحتاج إلى صبغات تتناسب مع لون الفستان”. ( نوال السعدواي)

 

أوجه القهر ووسائله

 

ينتقل الدكتور حجازي عن الحديث حول أوجه القهر ووسائله ( الإستلاب والإختزال) وتتعرض المرأة إلى ثلاثة انواع من الإستلاب وهي :1 الإستلاب الإقتصادي 2الإستلاب الجنسي3الإستلاب العقائدي .

 

الإستلاب الاقتصادي

ففي الإستلاب الإقتصادي “هناك طبقية واضحه في توزيع النشاطات المهنية بين الرجل والمرأة فهي تُعطي دوما الأعمال الثانوية أو الهامشية أو الرتبية التي تخلو من الابداع وتظل في حالة تبعية للرجل الذي يحتكر الأعمال الأساسية.”.

كما يشير إلى أن: ” القناعة بدونية المرأة المهنية متأصلة في عقل الإنسان المتخلف المبني على نمط طبقي أساسا ،على نموذج السيادة والتبعية،والتفوق والدونية”.

الأمر لم يقتصر على ذلك فـ” إلى وقت قريب كان هناك ميل لتبخيس ثمن عملها على شكل أجور زهيدة وإجحاف في الترقية وحتى في قوانين التعويضات والإجازات“.

الإستلاب الجنسي

أما من ناحية الإستلاب الجنسي فيؤكد حجازي بأنه أشد في تأثيره على مصير المرأة من الإستلاب الاقتصادي فيقول:” في البداية هناك إختزال للمرأة إلى حدود جسدها،إختزال لهذا الجسد إلى بعده الجنسي : المرأة مجرد جنس أو أداه للجنس ووعاء للمتعة،هذا الإختزال يؤدي مباشرة إلى تضخم البعد الجنسي لجسد المرأة بشكل مفرط وعلى حساب بقية أنماط حياتها،إنه يمحور المرأة ويركزها حول المسألة الجنسية”.

 

كما يلفت إلى أن هذا الإختزال لجسد المرأة يقابله قمع شديد :” قانون المجتمع في أشد وجوهه قمعاً منقوش منذ الطفولة على جسد المرأة في حركية هذا الجسد،وتعبيراته،ورغباته،جسد المرأة المختزل إلى بعده الجنسي هو عورة يجب أن تستر وتصان وتحمى وهو قبل ذلك ملكية للأسرة ومن ورائها المجتمع،أسرة الأب في البداية في البداية ثم أسرة الزوج فيما بعد,ليس للمرأة سلطة على جسدها”.

الإستلاب العقائدي

ننتقل الآن إلى أخطر إستلاب من الممكن أن تتعرض له المرأة وهو الإستلاب العقائدي,بمعنى ” أن تعتقد المرأة أن عالمها هو البيت وأن الزوج والأولاد والأسرة تشكل حدود كيانها , وهو أن تقتنع المرأة بدونيتها تجاه الرجل وتعتقد جازمة بتفوقه وبالتالي بسيطرته عليها”.

ويضيف منوها بأن :” الإستلاب العقائدي للمرأة وما يتلقاه من تعزيز دائم من الخارج ومن الذات في آن معاً يحكم عليها بـالبقاء رهينة وضعية القهر ،لا هي تعيها ولا هي تقبل أن تغيرها …وينعكس ذلك لا محالة  على التغيير الاجتماعي بأكمله فيكبحه لا محاله ،” كما يؤكد على أنه :”لا تطوير بدون تغيير وضعية المرأة ولا تغيير لوضعتها دون تمزيق حجب الإستلاب العقائدي التي تمنع عنها رؤية ذاتها ورؤية العالم لى حقيقته”.

 

الإختزال

النوع الثاني من أوجه القهر هو “الإختزال” وينقسم الإختزال إلى إيجابي وسلبي الأول يبالغ في قيمتها والأخر يبالغ في تبخيسها.

فمن الإختزال السلبي هو المرأة القاصر التي لاتعرف كيف تدير شؤون حياتها ولا كيف تتحمل مسئولية وجودها ولابد  لها من وصاية وإعالة “وهي لقاء ذلك تدفع الثمن على شكل تبعية كلية للرجل“،وأيضاً هنالك المرأة الخادم المتفانية في عملها لإدارة شؤون المنزل وهنلك المرأة الغاوية ” فهي مجرد جسد يشتهى مجرد وعاء جنسي لا يهم بعد ذلك أن تتمتع بأي ذكاء أو عقل أو حس أو قدرة على العطاء الإجتماعي ”

في ناحية أخرى هنالك الاختزال الإيجابي وأشهره:” المرأة الأم محط أساطير التفاني والتضحية والحب الذي لا ينضب والرجاء الذي لا يخيب…إنها تسجن الأم في تصورات مثالية من العطاء بدون حدود ولا مقابل”.

في الجهة المقابلة المرأة الوجاهة الإجتماعية “وهي المرأة المختزلة إلى جمالها أو حسبها ونسبيها،إنها دمية يستعرضا الرجل كي يتباهى بملكيتها أمام الآخرين”.

 

دفاع المرأة ضد وضعية القهر

 

تحاول المرأة في ظل ما تتعرض من تهميش وتبخيس  إلى إبتكار أساليب دفاعية تحفظ لها كرامتها وإعتباراتها  من خلال ،- التضخم النرجسي 2- السيطرة غير المباشرة على الرجل .

” تعيش المرأة تضخمها النرجسي من خلال إحساسها بأنها كائن على درجة عالية من الأهمية وبأنها خصوصا مرغوب فيها ،وذلك في عدة قطاعات أولها بلا جدال وظيفة الأمومة.”

وهناك وظيفة أخرى ترتبط بوظيفة الأمومة وهي ( دور المعبر عن الشرف) ” لعب هذه الوظيفة يعطي المرأة إنطابعا بأهمية شأنها في شبكة العلاقات الأسروية وفي المجتمع بشكل عام إنها التي تجسد أكثر القيم حساسية وسموا…المرأة هي التي تجسد التقليد وتحميه وتنقله ولو أنها في الواقع أكثر الكائنات تعرضا لغبن ذلك التقليد”.

أيضاً تحاول المرأة في المجتمع الإستعراضي التعويض عما تتعرض له من خلال المظهر ” وهكذا تتباهى المرأة بلعب دور عارضة الجاه والثروة من خلال ما تلبس وما تتحلى به (وكأن جسد المرأة لا يتضمن قيمة كافية بحد ذاته فهو بحاجة إلى الأدوات والأمتعة من كل نوع كيف تخفي قصورة أو ما أسقط عليه من نقص).

أما وسيلة الدفاع الأخرى وهي سيطرة المرأة على الرجل وذلك من خلال إستغلال ضعفها الظاهري كسلاح للتمويه على قوتها الضمنية” توهم الرجل أنه هو الذي يمتلك سلاح زمام الأمور كي تحركها هي تبعا لرغباتها بشكل خفي،سلاح الضعف تستخدمه المرأة حتى تضع الرجل في موضع الضعف”.

 

كما تستخدم المرأة سلاح الإستنزاف ” تسلط عليهم نظرتها الحاكمة ولسانها الذي ينطق بتقصيرهم إذ هم لم يستجيبوا لطلباتها …وليس من تهديد يتعرض له الرجل في الحرب بين الجنسين أكثر خطراً على كبريائه واعتداده بذاته من حكم المرأة عليه بالتقصير ماديا ومعنويا وجسديا، كل ميدان يدعي فيه الرجل التفوق على المرأة والسيطرة عليها من خلاله تقف هي بالمقابل من موقع الضعف لتتحول إلى حاكم قاس يضع سطوته وقوته على المحك”.

 

وينوه الكاتب بالقول:” دفاعات المرأة التي أوردنا نماذج منها تذهب في اتجاه مرضي لأنها وليدة علاقات مرضية بين الرجل والمرأة( علاقة التسلط والقهر) وهي دفاعات لا تفسح المجال لبروز علاقات معافاة…ولا يمكن في هذه الحالة أن يصل الإنسان في هذا العالم إلى توازن نفسي وإلى الشخصية المعافاة والمتوازية والغنية إلى إذا تحرر من وضعية القهر التي تفرض عليه،لا يمكن أن يتحرر الرجل إلا بتحرر المرأة ولا يمكن للمجتمع أن يرقى إلا بتحرر وارتقاء أكثر فئاته  غبنا ،فالارتقاء أما إن يكون جماعيا عاما أو هو مجرد مظهر و أوهام“.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>